ابن أبي الحديد
293
شرح نهج البلاغة
قالوا : لما سمت بنو أمية أبا هاشم مرض فخرج من الشام وقيذا ( 1 ) يؤم المدينة ، فمر بالحميمة ( 2 ) وقد أشفى ، فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فدفع الوصية إليه ، وعرفه ما يصنع وأخبره بما سيكون من الامر ، وقال له : إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي ، ولكن أبى أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام بذلك ، وأمرني به ، وأعلمني بلقائي أياك في هذا المكان ، ثم مات فتولى محمد بن علي تجهيزه ودفنه وبث الدعاة حينئذ في طلب الامر ، وهو الذي قال لرجال الدعوة ، والقائمين بأمر الدولة ، حين اختارهم للتوجه ، وانتخبهم للدعاء ، وحين قال بعضهم : ندعو بالكوفة ، وقال بعضهم : بالبصرة . وقال بعضهم : بالجزيرة ، وقال بعضهم : بالشام . وقال بعضهم : بمكة وقال بعضهم بالمدينة . واحتج كل انسان لرأيه ، واعتل لقوله - فقال محمد : أما الكوفة وسوادها فشيعه علي وولده ، وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف ، وقبيل عبد الله المقتول يدينون بجميع الفرق ، ولا يعينون أحد ، وأما الجزيرة فحرورية مارقة ، والخارجية فيهم فاشية ، وأعراب كأعلاج ( 3 ) ، ومسلمون في أخلاق النصارى ، وأما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان ، وطاعة بنى مروان ، عداوة راسخة ، وجهلا متراكما ، وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر ، وليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد ، ولا يقوم بنصرنا إلا شيعتنا أهل البيت ، ولكن عليكم بخراسان ، فإن هناك العدد الكثير ، والجلد الظاهر ، وصدورا سليمة ، وقلوبا مجتمعة ، لم تتقسمها الأهواء ، ولم تتوزعها النحل ، ولم تشغلها ديانة ، ولا هدم فيها فساد ، وليس لهم اليوم همم ( 4 ) العرب ، ولا فيهم تجارب كتجارب الاتباع مع السادات ، ولا تحالف كتحالف القبائل ، ولا عصبية كعصبية العشائر ، وما زالوا ينالون ويمتهنون ، ويظلمون فيكظمون ، وينتظرون الفرج ، ويؤملون
--> ( 1 ) الوقيذ : المريض المشرف على الهلاك . ( 2 ) الحميمة ، كجهينة بلدة بالبلقاء . ( 3 ) الأعلج : جمع علج ، الرجل من كفار العجم . ( 4 ) أ : " هم " .